فوزي آل سيف

7

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

الوقفة الثانية: أن نظرية عدالة الصحابة مخالفة للقرآن. لقد ذكر القرآن الكريم قصص بعضهم ونسب الفسق إليه، كما في قضية الوليد بن عقبة حيث اعتبره القرآن فاسقًا كما في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَومًا بِجَهَالَةٍ فَتُصبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلتُم نَادِمِينَ)([16]). وقوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَستَوُونَ)([17]). فالوليد بن عقبة بناء على هذه النظرية لا أثر للطعن فيه، يقول ابن حجر العسقلاني - وهو من أعاظم مدرسة الخلفاء- في ما يشمل هذا المورد: "إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه"([18]). الوليد بن عقبة قد ثبتت صحبته وله ذنوبٌ أمرها إلى الله والسكوت عنها أجدى!! هذا مع أن الذنوب لا سيما الكبائر وقد ثبت عليه بعضها قادح في العدالة وموجب لخلافها. وبناء على ذلك فإن الذنوب التي تؤثر في كل البشر فتسقط عدالتهم، لا تفعل فعلها حين تصل إلى بعض الصحابة، هذا هو المثال الأول. المثال الثاني: تحدث القرآن الكريم عن ثعلبة بن حاطب([19]) صاحب آية: (وَمِنهُم مَّن عَاهَدَ اللَّهَ لَئِن آتَانَا مِن فَضلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعرِضُونَ، فَأَعقَبَهُم نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِم إِلَىٰ يَومِ يَلقَونَهُ)([20]). فالقرآن يصف هذا بالنفاق على أثر الكذب على رسول الله!! لكن هذا بحسب هذه النظرية هو من أفضل البشر ويدخل الجنة قطعاً وهو عادلٌ حتماً ولا يمكن انتقاده ولا انتقاصه. المثال الثالث: عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي نزل فيه قوله تعالى: (وَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَو قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَم يُوحَ إِلَيهِ شَيءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ)([21])، وقضيته مشهورة ومفصلة في كتب التفاسير([22]). هذه أمثلة فردية، وأما الأمثلة الجماعية، فقد خصص القرآن الكريم سورة باسم (المنافقون) لم يكن هؤلاء كفار قريش، وإنما كانوا من المسلمين الذين كانوا في المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وآله كما أخبر عنهم في قوله تعالى: (وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم)[23] فهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين كانوا حوله. وقد وصفهم بأوصاف مثل (لكاذبون، لا يفقهون، هم العدو، قاتلهم الله، يصدون وهم مستكبرون، لن يغفر الله لهم..). وأما سورة التوبة التي سميت بتسميات متعددة؛ الفاضحة والمبعثرة والكاشفة، فقد بعثرت أسرار المنافقين، وكشفت عنهم، عرّتهم تعرية كاملة. وفي ما يقرب من سبعين آية من آياتها من 42 إلى 110، تفضح هذه السورة المباركة طرق المنافقين وأساليبهم في

--> 16 ) سورة الحجرات، الآية: 6. 17 ) سورة السجدة، الآية: 18. 18 ) قاله في ترجمة مروان. 19 ) للمزيد راجع مجمع الزوائد للهيثمي: ج7، ص31. 20 ) سورة التوبة، الآيات: 75- 77. 21 ) سورة الأنعام، الآية: 93. 22 ) نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح أسلم، وكان يكتب للنبي (ص)، فكان إذا أملى عليه سميعا عليما، كتب هو: عليما حكيما وإذا قال: عليما حكيما كتب: سميعا عليما. فشك وكفر، وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إلي، وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد: سميعا عليما، فقلت أنا: عليما حكيما. فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي أو لبني عبد الدار، فأخذوهم فعذبوا. [راجع: جامع البيان للطبري: ج7، ص355]. 23 ) سورة التوبة، الآية 101.